الزكاة من الكتاب والأحاديث الصحيحة
الخميس, 18 فبراير 2016 07:38

 

(الحلقة الأولى)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

        إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله.

        أما بعد  فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

        يقول الله وهو الحق وقوله الحق:

{لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءَاتَيْتُمُ الزكاة وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} (سورة المائدة، الآية 12).

        ويقول ربنا الرحمن مخاطبا محمدا صلى الله عليه وسلم رسوله إلى الناس كافة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ} (سورة التوبة، الآية 103).

        ويقول: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة النحل، الآية 44).

        وأُشهِد اللهَ أني أشهد أن رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ أشد وأظهر البيان؛ وأنه قام بهذه الوظيفة حتى أتاه اليقين ومِن بَيْنِ مَا بَيَّنَ -قولا وعملا- فريضة الزكاة التي أخبر عنها أنها تحتل الرقم الثالث من الأركان الخمسة المَبْنِيِّ عليها الإسلامُ كما رواه عنه ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين وغيرهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَنْ يُّوَحَّدَ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَالْحَجِّ».

وبعد كتابَيَّ في الأركان الثلاثة:

ـ كتاب صفة غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجنابة وصفة وضوئه وصفة صلاته؛

ـ كتاب صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وصفة حجته؛

فها أنا -بفضل الله وتوفيقه- أقدم للقراء الكرام: كتاب الزكاة من الكتاب والأحاديث الصحيحة.

        وهذه الزكاة فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر. والزكاة في القرآن مجملة وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدد الأموال التي تجب فيها الزكاة، ومقدار الواجب فيها، والشروط التي يجب توفرها.

        وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا رائعا وقدوة لكل المسلمين في زهده وعفته وكرمه وجوده وفي شمائله كلها. وكان يقول -كما رواه مسلم وغيره-: «…إِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ تَنبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ؛ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ…». (والحديث مخرج في الصفحة 131).

        فأقبل الناس على إخراج زكاة أموالهم بكل إخلاص. والذي يَتَتَبَّعُ هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطبيق الزكاة -وفي غيرها- يقف طويلا خاشعا أمام عفته عن أموال الناس وحرصه الشديد على أخذ هذه الزكاة وإيصالها إلى مستحقيها الذين ذكرتهم الآية: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (سورة التوبة، الآية 60).

        وما جاءه صلى الله عليه وسلم مستحق يطلب حقه إلا وطلب منه الانتظار حتى تأتى الصدقة وإذا جاءه منها شيء وضعه بين يديه في المسجد أمام أصحابه فلا يقوم من مكانه حتى يفرغ من توزيعه على المستحقين.

        وكان يرسل صلى الله عليه وسلم -كما رواه ابن إسحاق- أمراءه وعماله على الصدقات إلى كل ما أوطأ الإسلام من البلدان، وذكر ابن سعد في "الطبقات" أسماء المُصَدِّقِينَ الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العرب لجمع الزكاة من أهلها. وكان هديه صلى الله عليه وسلم انتقاء هؤلاء السعاة وإصدار التعليمات إليهم في معاملة أصحاب الأموال معاملة فيها رفق وتيسير مع عدم التهاون في حق الله، وكان يحذر هؤلاء السعاة من الْغُلُولِ -كما رواه أبو داود- عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهْوَ غُلُولٌ».

قلت: الغُلُول: الخيانة.

        وقال صلى الله عليه وسلم -كما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والدارمي والبيهقي وأحمد-: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَجِيءُ فَيَقُولُ هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ إِلَيَّ، أَلاَ جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ فَيَنظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَأْتِي أَحَدٌ مِّنكُم بِشَيْءٍ مِّن ذَلِكَ إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ إِن كَانَ بَعِيرًا فَلَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً فَلَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ» ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عَفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ».

        قلت: وهذا الوعيد الشديد من الصادق المصدوق يشمل كل من يأكل الأموال العمومية بغير حق شرعي وكذلك من يأخذ الرشوة على وظيفة مقابل الخدمة.

        وللزكاة في الإسلام دور عظيم؛ واعتنى الإسلام من خلالها وخلال صدقات التطوع بعلاج مشكلة الفقر ورعاية الفقراء والمحتاجين والضعفاء ولم يكتف بسد عوزهم وانتشالهم من فقرهم بل قرن ذلك دائما بالتربية والتوجيه والتأكيد على أن ما يدفعه الغني حق واجب عليه وما يأخذه الفقير ملك له ليس عليه فيه غضاضة.

        ولعل من أظهر الأدلة على اهتمام الإسلام بمشكلة الفقر وعنايته بأمر الفقراء أنه منذ بزوغ فجر الإسلام في مكة المكرمة والمسلمون يومئذ أفراد معدودون -ليس لهم كيان مستقل ولا دولة تحميهم- أكد على مفهوم العطف والرحمة والإحسان إلى الفقراء والمساكين والأخذ بأيديهم.

        يقول ربنا الرحمن في سورة المدثر: (الآيات 38-46) -وهي من أول ما نزل من القرآن-: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُواْ لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ}.

        وفي سورة القلم يقص الله على عباده المؤمنين -ليعتبروا- قصة أصحاب البستان الذين تواعدوا أن يدخلوا بستانهم بليل ليحرموا المساكين الذين اعتادوا أن يستفيدوا منه عند حصاده. فكان عاقبتهم أن حرمهم منها لمحاولتهم حرمان المساكين. قال العليم الخبير: {فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ أَنُ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ فَانطَلَقُواْ وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لاَّ يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ} (سورة القلم، الآيات: 19-24).

        وفي سورة الماعون جعل قهر اليتيم وعدم الاهتمام بالمسكين من لوازم الكفر والتكذيب بيوم الدين؛ قال تعالى: {أَرَءَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ} (الآيات 1-3).

        وقد انتقل الأمر في القرآن من مرحلة الدعوة إلى الإنفاق والحث عليه والترغيب فيه إلى مرحلة الإيجاب وخصوصا بعد أن هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة وأصبح لهم كيان مستقل ودولة تنظم شؤونهم وترعى مصالحهم. يقول العليم الخبير: {وَأَقِيمُوا الصلاة وَءَاتُوا الزكاة} (سورة البقرة، الآية 110).

ويقول تعالى: {فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصلاة وَءَاتَوُاْ الزكاة فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (سورة التوبة، الآية 11).

ويقول الله تعالى في الآية المتقدمة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (سورة التوبة، الآية 103).

        كل هذه النصوص تبين أهمية الزكاة ومكانتها في الإسلام؛ فهي إحدى الدعائم الخمس -وهذا أصبح معلوما بالضرورة- وهي الوسيلة الناجعة للأخذ بيد الفقراء والمحتاجين ليصبحوا عناصر فعالة تعمل وتنتج وتشارك في بناء المجتمع الإسلامي الكبير.

        وأبسط القول إن شاء الله في هذا الكتاب بتعريف الزكاة وأهميتها في الإسلام وأهدافها وشروطها وما تجب فيه وما لا  تجب فيه وما يتعلق بجميع جوانبها الأخرى  معتمدا   في   ذلك  كله على ما جاء في كتاب الله وثبت عن رسوله صلى الله عليه وسلم.

        وربما يلاحظ القارئ الكريم أني أهملت الكلام على زكاة الفطر وذلك لأني بسطت القول فيها في كتابي: "صفة صوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان وصفة حجته" (ص 64 وما بعدها) فليراجعه من شاء.

        والله سبحانه وتعالى أسأل -وهو السميع المجيب- أن يتقبل مني عملي هذا ويجعله خالصا له ووسيلة لي ولوالدَيَّ ننال بها شفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم {يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} ويجعلني وجميع من قرأ هذا الكتاب ممن قال الله فيهم: {وَالَّذِينَ هُمْ لِلزكاة فَاعِلُونَ}.

 

        وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

انواكشوط بتاريخ 15/03/2003

عبد الرحمن بن شعيب

*طالع في الحلقة القادمة: تعريف الزكاة