خطبة يوم النحر
الأربعاء, 27 يوليو 2016 18:13

 

(الحلقة الرابعة والعشرون)

32 - قال جابر رضي الله عنه -كما رواه أحمد-: خَطَبَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر فقال: «أَيُّ يَوْمٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ فقالوا: يومنا هذا. قال: «فَأَيُّ شَهْرٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قالوا: شهرنا هذا. قال: «أَيُّ بَلَدٍ أَعْظَمُ حُرْمَةً»؟ قالوا: بلدنا هذا. قال: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا. هَلْ بَلَّغْتُ»؟ قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ».  

الإفاضة لطواف الصَّدَرِ؛ وهو طواف الإفاضةِ، وطواف الزيارة:

33 - قال جابر رضي الله عنه -كما أخرجه أبو داود، والطحاوي، والبيهقي، وأحمد، وابن سعد-: ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت فطافوا، ولم يطوفوا بين الصفا والمروة.

        وهذا الإطلاق من جابر رضي الله عنه فصلته عائشة رضي الله عنها حيث قالت -كما أخرجه البخاري، ومسلم-: طاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة، ثم حلوا؛ ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا.

        قلت: وهذا الحديث أخرجه أيضا مالك في "الموطأ" عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عنها. وله شاهد صحيح صريح من حديث ابن عباس علقه البخاري بصيغة الجزم، ووصله الإسماعيلي في "مستخرجه" ومن طريقه البيهقي بسند صحيح رجاله رجال الصحيح. ولفظه: أَهَلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجْعَلُوا إِهْلاَلَكُمْ لِلْحَجِّ عُمْرَةً إِلاَّ مَن قَلَّدَ الْهَدْيَ» فطفنا بالبيت والصفا والمروة وأتينا النساء، ولبسنا الثياب وقال صلى الله عليه وسلم: «مَن قَلَّدَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ». ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة وقد تم حجنا وعلينا الهدي.

34 - ورجح ابن القيم في منسكه أنه صلى الله عليه وسلم طاف راكبا واعتمد على الأحاديث التي تلي:

ـ أخرج مسلم وأبو داود والنسائي عن جابر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس، وليشرف، وليسألوه، فإن الناس غَشُوهُ.

ـ وأخرج أحمد بسند صحيح عن الشريد ابن السويد قال: أفضت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعا.

        قلت: المحجن: عصا معوجة الرأس يتناول بها الراكب ما سقط له ويحول بطرفها بعيره.

35 - وبعد أن قضى طوافه صلى الله عليه وسلم -كما أخرجه الدارمي، وابن ماجه، وابن الجارود، والبيهقي- أتى بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم فقال: «انزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَلِبِ، فَلَوْلاَ أَنْ يَّغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ».

        فناولوه الدلو فشرب منه -كما أخرجه مسلم- وفي لفظ عند البخاري: وهو قائم.

36 - واخْتُلِفَ أين صلى الظهر يوم النحر؛ ففي صحيح مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بمكة؛ وكذا قالت عائشة.

        وأخرج مسلم، وأبو داود، وأحمد، عن ابن عمر، أنه صلى الله عليه وسلم أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى.

        قلت: ورجح ابن حزم قول عائشة وجابر. والله أعلم.

 *طالع في الحلقة القادمة: الرجوع إلى منى