ما يحرم عند القبور
الأربعاء, 04 يناير 2017 07:11

 

(الحلقة الثالثة عشرة)

1.  الذبح والنحر لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا عقر في الإسلام». قال عبد الرزاق بن همام: كانوا (في الجاهلية) يعقرون عند القبر بقرة أو شاة.

أخرجه: أبو داود (2/71) وعبد الرزاق (6690) والبيهقي (4/57) وأحمد (3/197) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

تنبيه: والذبح لصاحب القبر كما يفعله بعض الجهال هو شرك صريح، وأكله حرام وفسق كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ (الأنعام121).

والحال أنه كذلك بأن ذبح لغير الله، إذ هذا هو الفسق هنا كما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغْيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (الأنعام 145).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله (وفي رواية: ملعون) من ذبح لغير الله». أخرجه أحمد (2818) بسند حسن عن ابن عباس ومسلم (6/84) عن علي نحوه.

2.  رفعها زيادة على التراب الخارج منها، فعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُجَصَّصَ القبر، وأن يقعد عليه وأن يُبَالَ عليه [أو يزاد عليه].. [أو يكتب عليه].

أخرجه مسلم (3/62) وأبو داود (2/71 والنسائي (1/283) والترمذي (2/155) وصححه الحاكم (1/370) والبيهقي (4/4) وأحمد (3/295). والزيادتان لأبي داود والنسائي، وللبيهقي الأولى.

تنبيه: ويدل الحديث بمفهومه على جواز رفع القبر، بقدر ما يساعد عليه التراب الخارج منه، وذلك يكون نحو شبر. وأما التجصيص فهو الطلاء بالجص.

وعليه فما حكم تطيين القبر؟

للعلماء فيه قولان:

1.    الكراهة عند الحنابلة كما في "الإنصاف" (2/549).

2.  أن لا بأس به، حكاه أبو داود (158) عن الإمام أحمد وحكاه الترمذي (2/155) عن الإمام الشافعي.

وقال النووي عقبه: فصحيح أنه لا كراهة فيه، ولم يرد فيه نهي.. وأما الكتابة فظاهر حديث جابر المتقدم ذكره تحريمها واستثنى بعض العلماء كتابة اسم الميت لا على وجه الزخرفة بل للتعرُّف قياسا على وضع النبي صلى الله عليه وسلم الحجر على قبر عثمان بن مظعون رضي الله عنه.

* ويجب على المسلمين تسوية القبور المشرفة بدليل: عن أبي الهيَّاجِ الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن لا تدع تمثالا (وفي رواية صورة) [في بيت] إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته.

أخرجه مسلم (3/71 وأبو داود (2/70) والنسائي (51/28) والترمذي (2/153) وحسنه، والحاكم (1/369) والبيهقي (4/3) والطيالسي (155) وأحمد (رقم 741) والطبراني في "المعجم الصغير" (ص 89).

ومما قاله الشوكاني رحمه الله تعالى (4/72) في شرح هذا الحديث: ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أولويا: القبب، والمَشاهِدُ المعمورة على القبور، وكم نشأ عن تشييد أبنية القبور وتحسينها من فساد.. منه اعتقاد الجهلة لها كاعتـقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر، فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج، وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا واستغاثوا.. وبالجملة أنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه.. إلى أن قال: وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك واجبا؟.

 

 * حرمة القبر:

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لأن يجلس أحدُكُم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس (وفي رواية: يطأ) على قبر».

أخرجه مسلم (3/62) وأبو داود (2/71) والنسائي (1/287) وابن ماجه (1/484) والبيهقي (4/79) وأحمد (2/311) والرواية الأخرى إحدى روايته (2/529).

* عن أبي مَرْثدٍ الغَنَوِيِّ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها».

أخرجه مسلم (3/62) وأصحاب السنن الثلاثة.

* عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور.

رواه البزار (441) ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن الأعرابي في معجمه (1/235) والطبراني في "الأوسط" (1/280) وزادوا: «على الجنائز».

 

 بناء المساجد على القبور:

عن عائشة وعبد الله بن عباس معا قالا: لما نُزِلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خَميصًة له على وجهه، فإذا اغْتمَّ بها كشفها عن وجهه، فقال -وهو كذلك-: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتَّخَذُوا قبور أنبيائهم مساجدَ» يُحذر [مثل] ما صنعوا.

أخرجه البخاري (1/422) ومسلم (2/67) والنسائي (1/115) والدارمي (1/326) والبيهقي (4/80) وأحمد (1/218) والزيادة لمسلم والدارمي.

* عن عائشة قالت: لما كان مرضُ النبي صلى الله عليه وسلم، تذاكر بعضُ نسائه كنيسةً بأرض الحبشة يُقال لها "مارية" -وقد كانت أمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبةَ قد أتتا أرضَ الحبشة- فذكرن من حسنها وتصاويرها، قالت: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن أولئك إذا كان فيهم الرَّجُلُ الصَّالحُ [فمات] بنوْا على قبرهِ مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصُّوَرَ، أولئك شرَارُ الخلق عند الله [يوم القيامة»].

أخرجه البخاري (1/416) ومسلم (2/66) والنسائي (1/115) وأبو عوانة (2/400) والبيهقي (1/80) والسياق لهما، وأحمد (6/51) وابن أبي شيبة (4/140). والزيادتان للشيخين.

* وهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل دلالة قطعية على تحريم اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين عيدا، وفي هذا السياق قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "الاقتضاء" (ص 155-156): ووجه الدلالة أن قبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على وجه الأرض وقد نهى عن اتخاذه عيدا، فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان. والعيد إذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد للاجْتماع فيه وإتيانه للعبادة عنده.

ولهذا كره مالك رحمه الله وغيره لأهل المدينة، كل ما دخل أحدهم المسجد أن يجيء فيسلم على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرا ونحو ذلك، مع أنه قد شُرع لنا إذا دخلنا المسجد أن نقول -كما في حديث فاطمة رضي الله عنها-: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد.

تنبيه: والحديث أخرجه القاضي إسماعيل (82-84) من حديث فاطمة رضي الله عنها، فخاف الإمام مالك أن يكون فعل ذلك عند القبر كل ساعة نوعا من اتخاذ القبر عيدا.

ثم قال ابن تيمية: وما أحفظ -لا عن صحابي ولا عن تابعي ولا عن إمام معروف- أنه استحب قصد شيء من القبور للدعاء عنده، وقد صنف الناس في الدعاء وأوقاته وأمكنته وذكروا فيه الأثر، فما ذكر أحدٌ منهم في فضل الدعاء عند شيْءٍ من القبور حرفا واحدا.. إلى أن قال: حتى أن بعض القبور يُجْتَمع عندها في يوم من السنة، ويسافر إليها؛ إما في المحرم أو رجب أو شعبان أو غيرها، وبعضها في وقت آخر، بحيث يكون لها يومٌ تقصد فيه، ويُجتمع عندها فيه، وهذا السفر لا أعلم بين المسلمين خلافًا في النهي عنه.

وفي الجملة هذا الذي يُفعل عند هذه القبور هو بعينه الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تتخِذُوا قبري عيدًا» فإن اعتياد قصد المكان المعين في وقت معين عائد بعود السنة أو الشهر أو الأسبوع هو بعينه معنى العيد.

إلى أن قال: فإذا كان قَصْدُها (يعني القبور) يَجُر هذه المفاسد كان حَرَامًا وكان ذلك فتنةً للخلق، وفتحًا لباب الشرك، وإغلاقا لباب الإيمان.

* السفر إليها:

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ومسجد الأقصى».

أخرجه البخاري وأصحاب السنن.

واختلف في شد الرحال إلى غيرها كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمْواتًا، وإلى المواضع الفاضلة، لقصد التبرك بها، والصلاة فيها، قال الشيخ أبو محمد الجوَيْنِـي -وكان إماما في التفسير والفقه والأدب، مات سنة 438 هـ-: يحرم شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر الحديث، وبه قال عياض وطائفة.

وقال الشيخ ولِيُّ الله الدَّهْلَوي في كتابه "الحجة البالغة" (1/192): كان أهل الجاهلية يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ويتبركون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فسد رسول الله صلى الله عليه وسلم الفساد، لئلا يُلحَق غيرُ الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله.

والحق عندي أن القبر، ومحل عبادة ولـِيٍّ من الأولياء.. كل ذلك سواء في النهي.

ومما يَحْسُنُ التنبيه عليه أنه لا يدخل في النهي: السفرُ للتجارة وطلب العلم، فإن السفر إنما هو لطلب تلك الحاجة حيث كانت لا لخصوص المكان، وكذلك السفر لزيارة الأخ في الله فإنه هو المقصود.

  * طالع في الحلقة القادمة: حرمة الميت المؤمن