زيارة القبور
الأحد, 01 يناير 2017 07:11

(الحلقة الثانية عشرة)

وتشرع زيارة القبور للاتعاظ بها وتذكر الآخرة شريطة أن لا يقول عندها ما يُغْضِبُ الرب سبحانه وتعالى كدعاء المقبور والاستغاثة به من دون الله تعالى، أو تزكيته والقطع له بالجنة، ونحو ذلك، وفيها أحاديث:

* عن بريدة بن الحُصَيْبِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها [فإنها تذكركم الآخرة].. [ولتزدكم زيارتها خيرا].. [فمن أراد أن يزور فليزر، ولا تقولوا هُجْرًا]». أخرجه مسلم (3/285) وأبو داود (2/72) ومن طريقه البيهقي (4/77) والنسائي (1/285) وأحمد (5/350) والزيادة الأولى والثانية له، ولأبي داود الأولى بنحوها وللنسائي الثانية والثالثة.

قال النووي رحمه الله في المجمع (5/310): إن الهُجْرَ هو الكلام الباطل، وقال الفيروزابادي في القاموس: الْهُجر القول القبيح.

تنبيهولا يخفى أن ما يفعله العامة وغيرهم عند الزيارة من دعاء الميت والاستغاثة به وسؤال الله بحقه، هو من أكبر الهُجر والقول الباطل.

والنساء كالرجال في استحباب زيارة القبور.

* فعن عبد الله بن أبي مليكة: أقبلت عائشة ذات يوم من المقابر، فقلت لها يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر عبد الرحمن بن أبي بكر، فقلت لها: أليس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن زيارة القبور؟ قالت: نعم، ثم أمر بزيارتها، وفي رواية عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخَّص في زيارة القبور.

أخرجه الحاكم (1/376) وعنه البيهقي (4/78) وابن عبد البر في "التمهيد" (3/233) وصححه الذهبي والبصيري في "الزوائد" (988/1) وقال الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (4/418) رواه ابن أبي الدنيا في "القبور" والحاكم بإسناد جيد.

تنبيهوأشار أحمد ابن حنبل رحمه الله إلى الأخذ بهذا الحديث في زيارة القبور للنساء بقوله كما ذكره ابن عبد البر في التمهيد عن أبي بكر الأثرم، قال سمعت أحمد ابن حنبل يُسأل عن المرأة تزور القبر، فقال: أرجو -إن شاء الله- أن لا يكون به بأس، عائشة زارت قبر أخيها.

* وفي حديث محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب عن أم المؤمنين عائشة… إلى أن تقول: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ -صلى الله عليه وسلم- قال: «قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون».

أخرجه مسلم (3/14) والسياق له، والنسائي (1/286) وعبد الرزاق (3/570) وأحمد (6/221).

تنبيه: والحديث استدل به الحافظ في "التلخيص" (5/248) على جواز الزيارة للنساء.

* لكن لا يجوز لهن الإكثار من زيارة القبور والتردد عليها، بدليل الحديث المشهور: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم (وفي رواية: «لعن الله) زَوَّارَاتِ القبور» وهذا الحديث جاء من عدة طرق ونقتصر على طريق أبي هريرة التي أخرجها الترمذي (2/156) وابن ماجه (1/478) وابن حبان (720) والبيهقي (4/78) والطيالسي (1/171) وأحمد (2/337) وابن عبد البر (3/234) وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

تنبيه: قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارات لما تقتضيه الصيغة من المبالغة.

وقال الشوكاني في نيل الأوطار (4/95) وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.

 المقصود من زيارة القبور شيئان:

1.  انتفاع الزائر بذكر الموت والموتى.

2. نفع الميت والإحسان إليه بالسلام عليه والدعاء والاستغفار له إذا كان من المسلمين.

وفيه أحاديث، نذكر منها:

* عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما كان ليْلَتَهَا من رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من آخر الليل فيقول: «السلام عليكم [أهل] دار قوم مؤمنين وإنا وإياكم وما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد».

أخرجه مسلم (3/63 والنسائي (1/287) وابن السني (585) والبيهقي (4/79) وأحمد (6/180).

* عن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول: «السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله [بكم] للاحقون [أنتم لنا فرطٌ، ونحن لكم تبع] أسأل الله لنا ولكم العافية».

أخرجه مسلم (3/75) والنسائي وابن ماجه (1/469) وابن أبي شيبة (4/138) وابن السني (582) والبيهقي وأحمد (5/353).

والزيادات لهم جميعا حاشى ابن ماجه ومسلما.

تنبيه: وأما قراءة القرآن عند زيارتها فمما لا أصل له في السنة ويقوي عدم المشروعية قوله صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم مقابر فإن الشيطان يفر من البيت الذي يُقرأ فيه سورة البقرة».

أخرجه مسلم (2/188) والترمذي (4/42) والنسائي في فضائل القرآن (76) والبيهقي في شعب الإيمان (2/2381) وأحمد (2/284) من حديث أبي هريرة. فقد أشار صلى الله عليه وسلم إلى أن القبور ليست موضعا للقراءة شرعا؛ ولذلك كان مذهب جمهور السلف كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم كراهة القراءة عند القبور.

* ويجوز رفع اليدين في الدعاء لها، لحديث عائشة رضي الله عنها، وفيه قالت: لما كان ليلتي التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها عندي (…) حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات.. أخرجه مسلم بتمامه (3/14) والنسائي (1/286) وعبد الرزاق (3/570) وأحمد (6/221).

تنبيه آخرقال الإمام أبو الحسن بن مرزوق الزَّعْفَرَانِيّ المتوفـى سنة 517 هجرية، في كتابه "الجنائز" ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله واستلام القبور وتقبيلها من المبتدعات المنكرة شرعا (…) إلى أن قال: فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة.

* ولا يمشي بين قبور المسلمين في نعليه لحديث بشير بن الخَصاصِيَّة قال: بينما أُمَاشِي رسول الله صلى الله عليه وسلم (…) أتى على قبور المسلمين (…) فبينما هو يمشي إذ حانت منه نظرة فإذا هو برجل يمشي بين القبور عليه نعلان، فقال: «يا صاحب السبتتين ألق سَبْتتيْك» فنظر الرجلُ فلما عرف رسولَ الله صلى الله عليه وسلم خلع نعليه، فرمى بهما.

أخرجه بتمامه أصحاب السنن، وقال الحافظ في "الفتح" (3/160) والحديث يدل على كراهة المشي بين القبور بالنعال.

* ولا يشرع وضع الآس ونحوه من الرياحين والورود على القبور لأنه لم يكن من فعل السلف، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وقد قال ابن عمر رضي الله عنهما: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. رواه ابن بطة في "الإبانة عن أصول الديانة" (2/112) موقوفا بسند صحيح.

* طالع في الحلقة القادمة: ما يحرم عند القبور