الدفن وتوابعه
الجمعة, 23 ديسمبر 2016 07:10

 

(الحلقة التاسعة)

يجب دفن الميت ولو كان الميت كافرا بدليل:

عن أبي طلحة الأنصاري: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش [فجُرُّوا بأرجلهم فقذفوا في طوًى من أطواء بدر خبيث فخبث].. [بعضهم على بعض].. [إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا يحركونه فتزايل، فأقبروه، وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة] وكان صلى الله عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ رَحْلَهَا، 

ثم مشى واتبعه أصحابُه، وقالوا: ما نراه ينطلق إلا لبعض حاجته، حتى قام على شفةِ الرَّكِيِّ فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم [وقد جَيّّفوا].. «يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا وليد بن عتبة] أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا»؟ قال: [فسمع عمر قول النبي صلى الله عليه وسلم] فقال: [يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها].. [وهل يسمعون؟ يقول الله عزل وجل: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، [والله].. [إنهم الآن ليسمعون أن الذي كنت أقول لهم لهو الحق] (وفي رواية: إنهم الآن ليسمعون) [غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليّ شيئا»] قال قتادة: أحياهم الله [له] حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندما.

رواه جماعة من الصحابة.

قال قتادة: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبي طلحة به، أخرجه البخاري (7/240) واللفظ له، ومسلم (8/164) وأحمد (4/129) وغيرهم.

والزيادة عند بعضهم دون بعض.

تنبيه: العرصة هي الموضع الواسع الذي لا نبات فيه، والرَّكِيُّ طرف البئر.

· ولا يدفن مسلم مع كافر كما كان عليه الأمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم واستمر إلى عصرنا هذا.

والسنة الدفن في المقبرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدفن الموتى -غير شهداء المعركة- في البقيع.

ولم ينقل عن أحد من السلف أنه دفن في غير المقبرة، إلا ما تواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم دفن في حجرته وذلك من خصوصياته عليه الصلاة والسلام، كما دل عليه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت:

لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ما نسيته قال: «ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه». فدفنوه في موضع فراشه.

أخرجه الترمذي (2/129) وقال: حديث غريب، ورواه مالك (1/230) ورواه ابن سعد بسند صحيح عن أبي بكر مختصرا موقوفا وهو في حكم المرفوع، وقال الحافظ ابن حجر (1/420) وإذا حُمل دفنه صلى الله عليه وسلم في بيته على الاختصاص لم يبْعُد نهي غيره عن ذلك. وحديث أبي هريرة عند مسلم «لا تجعلوا بيوتكم مقابر» ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقا.

 1. لا يجوز الدفن في الأحوال الآتية إلا لضرورة:

الدفن في الأوقات الثلاثة لحديث عقبة بن عامر المتقدم (في صفحة 51) وبخصوص الدفن في الليل قال النووي في شرح مسلم: وقد اختلف العلماء في الدفن في الليل، فكرهه الحسن البصري إلا لضرورة، وقال جماهير العلماء من السلف والخلف لا يكره، واستدلوا بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وجماعة من السلف دفنوا ليلا من غير إنكار، وحديث المرأة السوداء والرجل الذي كان يقم المسجد فتوفي بالليل فدفنوه ليلا، وسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: توفي ليلا فدفناه في الليل، فقال: «ألا آذنتموني» قالوا: كانت الظلمة. ولم ينكر عليهم.

تذكرة: قال ابن هشام في سيرته (4/314) عن ابن إسحاق أن الصحابة رضوان الله عليهم صلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الثلاثاء ثم دفنوه ليلة الأربعاء.

1.  وجاز استعمال المصباح والنُّـزول به في القبر لتسهيل عملية الدفن، لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل رجلا قبره ليلا، وأسْرَجَ في قبره، أخرجه ابن ماجه (1/464) والترمذي (2/157) وقال: حديث حسن.

تنبيه: والترمذي إذا قال حديث حسن، فإنما يريد الحسن لغيره كما قاله في العلل المذكورة في آخر كتابه، ولهذا الحديث شاهد من حديث جابر بن عبد الله أخرجه أبو داود (2/63) والحاكم (1/368) والبيهقي (4/53) وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.

وزاد عليهما النووي فقال في "المجمع" (5/305): رواه أبو داود بإسناد على شرط البخاري ومسلم.

تنبيه آخر: وكل ذلك خطأ، فإن مدار إسناد هذا الشاهد على محمد بن مسلم الطائفي، وهو وإن كان ثقة في نفسه فقد كان ضعيفا في حفظه، ولذلك لم يحتج الشيخان به وإنما روى له البخاري تعليقا ومسلم استشهادا.

2.ويجب إعْمَاق القبر وتوسيعه وتحسينه؛ فعن رجل من الأنصار قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار، وأنا غلام مع أبي فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على حفيرة القبر، فجعل يوصي [وفي رواية يومئُ إلى] الحافر ويقول: «أوسع من قبل الرأس، وأوسع من قبل الرجلين، لرب عذق له في الجنة».

أخرجه أبو داود (2/83) والبيهقي (3/414) وأحمد (5/405) والسياق له، وإسناده صحيح كما قال النووي في المجمع (5/286) والحافظ في التلخيص (5/201).

· ويتولى إنزال الميت في قبره -ولو كان أنثى- الرجال دون النساء. فعن عبد الرحمن بن أبزى قال: صليت مع عمر بن الخطاب على زينب بنت جحش بالمدينة، فكبر أربعا ثم أرسل إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من يأمرن أن يدخلها القبر؟ قال: وكان يعجبه أن يكون هو الذي يلي ذلك، فأرسلن إليه انظر من كان يراها في حالة حياتها فليكن هو الذي يدخلها القبر، فقال عمر: صدقتن.

أخرجه الطحاوي (3/304) وابن سعد (8/111) والبيهقي (3/53) بسند صحيح.

· ويجعل الميت في قبره على جنبه اليمين ووجه قبالة القبلة، ورأسه ورجلاه إلى يمين القبلة ويسارها، وعلى هذا جرى عمل أهل الإسلام من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

· ويقول الذي يضعه في لحده: "بسم الله، وعلى سنة رسول الله" أو "ملة رسول الله" صلى الله عليه وسلم. والدليل:

أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع الميت في القبر قال: (وفي لفظ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا:) بسم الله، وعلى سنة (وفي رواية: ملة) رسول الله».

أخرجه أبو داود (2/70) والترمذي (2/152) وابن ماجه (1/470) وابن حبان في صحيحه (773) والحاكم (1/366) والبيهقي (4/55) وأحمد (رقم 4990) وقال الحاكم -ووافقه الذهبي-: صحيح على شرط الشيخين.

· ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيديه جميعا بعد الفراغ من سد اللحد، لحديث أبي هريرة:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة، ثم أتى الميت فحثى عليه من قبل رأس ثلاثا.

أخرجه ابن ماجه (1/474) وصححه الإمام الألباني في الإرواء (751).

تنبيه: لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال شيئا مع هذه الحثيات.

·  ويسن بعد الفراغ من الدفن أمور:

1. أن يُرفع القبر عن الأرض قليلا، نحو شبر لحديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أُلحِدَ له لحد، ونصب عليه اللبِن نصبا، ورفع قبره عن الأرض نحوًا من شبر. رواه ابن حبان (2160) والبيهقي (3/410) وإسناده حسن.

2. أن يُجعل مسنما لحديث سفيان التمَّار، قال: رأيتُ قبر النبي صلى الله عليه وسلم [وقبر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما] مُسنما. أخرجه البخاري (3/198) والبيهقي (4/3) والزيادة لهما.

وقال ابن القيم في "زاد المعاد": وقبره مُسَنَّمٌ مبطوح ببطحاء العرْصة الحمراء، لا مبني ولا مُطيَّنٌ، وهكذا كان قبر صاحبيه.

3.أن يُعَلِّمَه بحجر أو نحوه لحديث المطلب - وهو ابن عبد الله بن المطلب بن حنطب- رضي الله عنه، قال: لما مات عُثمان بن مظعون خُرِج بجنازته فدفن، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلا أن يأتيه بحجر فلم يستطع حمله، فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه، قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إلى بياض ذراعي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حسر عنهما، ثم حمله فوضعه عند رأسه، وقال: «أتَعَلَّم بها قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي». أخرجه أبو داود (2/69) وعنه البيهقي (3/412) بسند حسن كما قال الحافظ (5/229).

4.أن لاَ يلقن الميت التلقين المعروف اليوم؛ لأن الحديث الوارد فيه لا يصح، حتى قال الصنعاني في "سبل السلام" (2/161): ويتحصل من كلام أئمة التحقيق أنه حديث ضعيف والعمل به بدعة، ولا يُغتر بكثرة من يفعله والسنة الوقوف على القبر يدعو له بالتثبيت ويستغفر له، ويأمر الحاضرين بذلك لحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت فإنه الآن يسأل». أخرجه أبو داود (2/70) والحاكم (1/370) والبيهقي (4/56) وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال النووي (5/299): إسناده جيد.

*طالع في الحلقة القادمة: التعزية