الصلاة على الجنازة
الثلاثاء, 20 ديسمبر 2016 07:10

 

 (الحلقة الثامنة)

الصلاة على الميت المسلم فرض كفاية لأمره بها صلى الله عليه وسلم في أحاديث أذكر منها:

حديث زيد بن خالد الجُهني:

· أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم غـل في سبيل الله» قال: ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يساوي درهمين.

أخرجه مالك في الموطأ (2/14) وأبو داود (1/425) والنسائي (1/278) وابن ماجه (2/197) والحاكم (2/127) وأحمد (4/114) بإسناد صحيح.

وتجب الجماعة في صلاة الجنازة كما تجب في الصلوات المكتوبة، وذلك بدليل:

· مداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليـها، وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي». أخرجه البخاري في صحيحه وأحمد.

وكلما كثر الجمع كان أفضل للميت وأنفع، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ما من ميت يُصلي عليه أمةٌ من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له، إلا شُفِّعُوا فيه» وفي حديث آخر «غُفِرَ لَهُ».

أخرجه مسلم (3/53) والنسائي (1/881) والترمذي، وصححه (2/134) والبيهقي (4/30) والطيالسي (1526) وأحمد (6/32) من حديث عائشة باللفظ الأول. ورواه مسلم والنسائي والبيهقي وأحمد من حديث أنس. وابن ماجه (1/453) من حديث أبي هريرة باللفظ الأخير، وإسناده صحيح على شرط الشيخين.

وقد يُغفر للميت ولو كان العدد أقل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا، لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه».

أخرجه مسلم وأبو داود (2/74) وابن ماجه والبيهقي وأحمد من حديث ابن عباس.

·  وتجوز الصلاة على الجنازة في المسجد، والسنة أن تكون في المصلى، والدليل هو:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما توفي سعد بن أبي وقاص أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه ففعلوا، فوقف به على حُجَرِهن يصلين عليه، وخُرِج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعِدِ، فبلغهُن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا [هذه بدعة] ما كانت الجنائز يُدخل بها إلى المسجد، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به، عابوا علينا أن يُمرَّ بجنازةٍ في المسجد [والله] ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سهيل بن بيضاء [وأخيه] إلا في جوف المسجد».

أخرجه مسلم (3/63) من طريقين عنها وأصحاب السنن وغيرهم.

· عن ابن عمر رضي الله عنهما أن اليهود جاؤوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم برجل منهم وامرأة زَنَيا، فأٌمِر بهما فرجما، قريبا من موضع الجنائز عند المسجد.

أخرجه البخاري (3/155).

فائدة: قال الحافظ في الفتح (12/108) والمصلى المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز وهو من ناحية بقيع الغرقد.

·  ويقوم الإمام وراء رأس الرجل، ووسط المرأة بدليل:

عن أبي غالبٍ الخياط قال: شهدت أنس بن مالك صلى على جنازة رجل، فقام عند رأسه، (وفي رواية: رأس السرير) فلما رُفِع، أتِيَ بجنازة امرأة من قريش -أومن الأنصار- فقيل له: يا أبا حمزة هذه جنازة فلانة ابنة فلان فصل عليها، فصلى عليها فقام وسطها، (وفي رواية: عند عجزتها) وفينا العلاء بن زيادٍ العدوي فلما رأى اختلاف قيامه على الرجل والمرأة قال: يا أبا حمزة أهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من الرجل حيث قمت، ومن المرأة حيث قمت؟ قال: نعم، قال فالتفت إلينا العلاء فقال: "احفظوا" أخرجه أبو داود (2/66ـ67) والترمذي (2/146) وحسنه، وابن ماجه والطحاوي (1/283) والبيهقي (4/32) والطيالسي (2149) وأحمد (3/118) والسياق له.

قلت: العلاء بن زياد العدوي كنيته أبو نصر، وهو من ثقات التابعين مات سنة أربع وتسعين (94هـ).

· عن سمرة بن جندب قال: صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلى على أم كعب ماتت وهي نفساء، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة عليها وسطها.

أخرجه البخاري (3/156-157) ومسلم (3/60) والسياق له، وأبو داود (2/67) والنسائي (1/280) والترمذي (2/147) وصححه، وابن ماجه (1/455) وابن الجارود (267) والطحاوي (1/283) والبيهقي (4/34) والطيالسي (902) وأحمد (5/1914).

·  ويكبر عليها أربعا أو خمسا، بدليل:

· عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: مات رجل، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فدفنوه بالليل، فلما أصبح أعلموه، فقال: «ما منعكم أن تعلموني»؟ قالوا: كان الليلُ، وكانت الظلمة، فكرهنا أن نـشق عليك، فأتى قبره فصلى عليه: [قال فأمنا وصفنا خلفه].. [وأنا فيهم].. [وكبر أربعا].

أخرجه البخاري (3/91-92) وابن ماجه (1/466) والسياق له، ورواه مسلم (3/55-56) مختصرا وكذا النسائي (1/284) والترمذي (2/148) وابن الجارود في المنتقى (266) والبيهقي (3/45) والطيالسي (2687) وأحمد (رقم 1962) والزيادة الأولى لهم، وللبخاري في رواية والزيادتان الأخيرتان له وللبيهقي، ولمسلم والنسائي الأخيرة.

·  وأما الخمس فلحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:

كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعا، وإنه كبر على جنازة خمسا فسألته فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبرها [فلا أتركها لأحد بعده].. [أبدا].

أخرجه مسلم: (3/56) وأبو داود (2/67) والنسائي (1/281) والترمذي (2/140) وابن ماجه (1/458) والطحاوي (1/285) والبيهقي (4/36) والطيالسي (674) وأحمد (4/367).

·  ويرفع الإمام يديه في التكبيرة الأولى، بدليل:

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى.

أخرجه الترمذي (2/156) والدارقطني (192) والبيهقي (284) وأبو الشيخ في "طبقات الإصبهانيين" (ص 262) بسند ضعيف؛ لكن يشهد له حديث عبد الله بن عباس وهو:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبير ثم لا يعود.

أخرجه الدارقطني بسند رجاله ثقات غير الفضل بن السكن فإنه مجهول.

·  ثم يقرأ عقب التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب وسورةً، بدليل:

عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: صليت خلف ابن عباس رضي الله عنه على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب [وسورة، وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته فـ]قال: [إنما جهرت] لتعلموا أنها سنة [وحق].

أخرجه البخاري (3/158) وأبو داود (2/68 والنسائي (1/281) والترمذي (2/142) وابن الجارود في المنتقى (264) والدار قطني (191) والحاكم (1/358).

والسياق للبخاري، والزيادة الأولى للنسائي، وسندها صحيح، ولابن الجارود منها ذكر السورة، ولهما الثالثة بالسند الصحيح، وللحاكم الثانية من طريق أخرى عن ابن عباس بسند حسن.

قلت: إن قول الصحابي: من السنة كذا، مُسْندٌ مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم على أصح الأقوال؛ بل قال النووي في المجمع (5/232): إنه المذهب الصحيح الذي قاله جمهور العلماء من أصحابنا، في الأصول وغيرهم من الأصوليين والمحدثين.

· ثم يكبر التكبيرة الثانية ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لحديث أبي أمامة أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتابة بعد التكبيرة الأولى سرًّا في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويُخلص الدعاء للجنازة في التكبيرات (الثلاث) لا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه [حين ينصرف].. [عن يمينه].. [والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه].

أخرجه الشافعي في "الأم" (1/239) ومن طريقه البيهقي (4/39) وابن الجارود (265) عن الزهري عن أبي أمامة.

وأخرجه الحاكم (1/360) وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا.

· ويدعو فيها بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم، وأصحّه حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: «اللهم اغفر له وارحمه، وعافِهِ واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت (وفي رواية كما يُنـَقَّى) الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا خيرا من أهله، وزوجا (وفي رواية: زوجة) خيرا من زوجه، وأدخله الجنة، وأعذه من عذاب القبر، ومن عذاب النار» قال فتمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.

أخرجه مسلم (3/59) والنسائي (1/271) وابن ماجه (1/4256) وابن الجارود (264/265) والبيهقي (4/40) والطيالسي (999) وأحمد (6/23) والسياق لمسلم.

· والدعاء بين التكبيرة الأخيرة والتسليم مشروع لحديث أبي يعفور عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: شهدته كبر على جنازة أربعا ثم قام ساعةً -يعني يدعو- ثم قال: أتروني كنت أكبر خمسا؟ قالوا: لا، قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر أربعًا. أخرجه البيهقي (4/35) بسند صحيح.

قلت: وذهب أحمد والشافعي إلى استحباب الدعاء بين التكبيرة الرابعة والتسليم، وحجتهما هذا الحديث، وخالفهما الآخرون وقالت الحنفية: ثم يكبر أربعا ويسلم من غير ذكر بينهما، وهذا الحديث حجة عليهم.

· ثم يسلم تسليمتين مثل تسليمه في الصلاة المكتوبة لحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ثلاثُ خلالٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلهن، تركهن الناس، إحداهن التسليم على الجنازة مثل التسليم في الصلاة.

أخرجه البيهقي (4/43) بسند حسن، وقال النووي (5/239): إسناده جيــد.

قلت: وذهب إلى التسليمتين:

الحنفية كما في "المبسوط" (2/65) وأحمد في رواية عنه كما في "الإنصاف" (2/525) والشافعية كما في شرح ابن قاسم "الغزِّيِّ" (1/431).

ويجوز الاقتصار على التسليمة الأولى فقط، لحديث أبي هريرة رضي اله عنه:

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على جنازة فكبر عليها أربعا، وسلم تسليمة واحدة.

أخرجه الدار قطني (191) والحاكم (1/360) وعنه البيهقي (4/43) وحسنه شيخنا الإمام الألباني رحمه الله، في "التعليقات الجياد".

قلت: وعمل بالتسليمة الواحدة جماعة من الصحابة: علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وغيرهم، رضي الله عنهم أجمعين.

· والسنة أن يسلم في الجنازة سرا الإمام ومن وراءه لحديث أبي أمامة بلفظ: ثم يسلم سرا في نفسه حين ينصرف. والسنة أن يفعل من وراءه مثلما فعل إمامه.

وأخرج البيهقي (4/43) عن ابن عباس بسند حسن أنه كان يسلم في الجنازة تسليمة خفية.

· ولا تجوز الصلاة على الجنازة في الأوقات التي تحرم الصلاة فيها إلا لضرورة، لحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال:

ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضَيَّفُ للغروب حتى تغرب.

أخرجه مسلم (2/208) وأبو عوانة في صحيحه (1/386) وأبو داود (2/66) والنسائي (1/277) والترمذي (2/144) وصححه، وابن ماجه (1/463) والبيهقي (4/32) والطيالسي (1001) وأحمد (4/152).

وزاد البيهقي بسند صحيح: قلت لعقبة (يعني علي بن رباح) أيدفن بالليل؟ قال: نعم قد دفن أبو بكر بالليل.

 * طالع في الحلقة القادمة: الدفن وتوابعه